مصطفى لبيب عبد الغني

46

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وعلى الرغم مما يبدو من عدم اهتمام معظم العلماء وقلة شففهم بالأسس المنهجيية لموضوع بحثهم : إلا أن فترات التقدم العلمي العظيم هي أيضا - فيما لا حظه « ناجل » - فترات النقد الذاتي للأسس المنطقية للبناء العلمي . إن اكتساب المعرفة الايجابية وفق منهج البحث هو إذن النشاط الإنسانى المشروع والتقدمى : فحضارتنا تختلف أسسا عن الحضارات القديمة لأن معرفتنا بالعالم وبأنفسنا أعمق وأضبط وأكثر يقينا . ونحن قد تعلمنا بالتدريج أن نتحرر من سيطرة قوى الطبيعة وتعلمنا أن نجد السبيل - بالطاعة التامة لقوانينها - لإخضاعها لمطالبنا « 1 » والمنهج العلمي هو سلوك العلماء الفعلي أثناء عملهم وليس ما يقوله عنهم الآخرون . ولا يشغل عالم نفسه - عندما يخطط لتجربة في معمله - بالتساؤل عما إذا كان يسلك سلوكا منهجيا أم لا وعما إذا كان يستخدم بالفعل المنهج اللازم . وعندما يجرؤ أحد العلماء على انتقاد زميل له فإنه لا يقيم نقده على تعميمات براقة من قبيل اتهامه بالفشل في « اتباع المنهج العلمي » ، لكنه يقيم نقده أساسا على بعض الخصائص النوعية للموقف العلمي المحدد . ومع ذلك فكثيرا ما نجد أناسا يقفون غالبا خارج العلم يتحدثون عن منهجه وهم إن استطاعوا اكتشاف تعميمات عديدة تنطبق على معظم ما يؤديه العلماء بالفعل إلا أن هذه التعميمات لا تكون عميقة عمقا كافيا ، ولا يتاح لنا التقدير الصائب للمنهج العلمي إلا على يد العلماء أنفسهم « 2 » .

--> ( 1 ) Sarton , G . , Introduction . . . , p . 4 . ( 2 ) وفي ذلك يقول " كارل بيرسون " : « ينبغي أن نلتمس تقديرا صائبا للمنهج العلمي من رجال أمثال « لابلاس » و « داروين » - الذين كرسوا حياتهم للعلم الطبيعي أكثر من أولئك الذين عملوا في ميدان التصور الخالص من أمثال « جون استيورات مل » و « استانلى جيفنز » . ( " The grammar of science'' , p . 32 , note . ) ولعل من أعنف الهجمات التي شنت مؤخرا ضد محاولات اخضاع البحث العلمي لصياغات منطقية - يفترض فيها أنها ملزمة للعلماء أنفسهم - ما ذهب إليه الفيلسوف الاسكتلندى « فرديناند شيلر » ، حيث يقول : « لا شك أن من أهم العقبات التي تعترض طريق التقدم العلمي ذلك التحليل الذي قدّمه المنطق لطرق البحث العلمي . . . وليس من المبالغة أن نقول إنه -